خليل الصفدي

26

أعيان العصر وأعوان النصر

عشرة ولطف ، وإذا كان له إرب « 1 » في شيء توصل إليه بكل طريق وناله ، وإذا فرغ إربه شرد وقطع الرسن ، وما يعود يلوي على إلف « 2 » ولا وطن ، فكنا - جماعة الديوان - نعرف ذلك منه ، وأنه متلوّن ذو استحالة . وكنت في وقت عزمي على الحج في سنة خمس وخمسين وسبع ومائة ، قد اتفق معي ومع القاضي ناصر الدين كاتب السر بالشام ، على أنه يحجّ معنا ، وأعطانا على ذلك مواثيق وعهودا ، فلمّا حقّت النهضة غاب عنا ، ولم نظفر به ، فلمّا عدت من الحج كتبت إليه من الطريق : ( الكامل ) أفدي الّذين غدت محافظتي على * ميثاقهم دون الورى تغريني قالوا : استحلت وخنت عهدك قلت : ما * أنا في محبّتكم أمين الدّين ذاك ابن غانم يستحيل ويستحي * أن لا يراه الدّهر غير خئون إلّا أنه كان فيه كرم وجود وتواضع واعتراف بالتقصير في فنه ، وكان في وقت قد كتب إلى القاضي ناصر الدين كاتب السرّ الشريف ، ونحن بمرج الغسولة أبياتا ، فكتب جوابه القاضي ناصر الدين في وزنه ورويه ، ومن جملة الجواب : ( الطويل ) أيا من غدا يستوعب الوقت مدحه * لنقص فعال وهو قول ملفّق إذا ما شكرت اللّه زادك رفعة * فشكرك إيّاه شعار موفّق تسوّد أوراقا وتكتب مأثما * ويظهر منك القول وهو مزوّق ونظمك عندي جوهر ونظامه * بليغ وهذا النّظم بالصّدق أليق فتأذّى أمين الدّين ، وقال : قد تبت عن نظم الشّعر ، فكتبت أنا إليه ارتجالا : ( السريع ) تاب أمين الدّين من نظمه * وخلص الأقوام من ذمّه فقال : لا عدت إلى مثلها * فقلت : لما تهرب من سهمه

--> ( 1 ) الإرب : الدهاء وهو من العقل ومنه قولهم فلان ( يؤارب ) صاحبه إذا دهاه ومنه الأريب أي العاقل والإربة الحاجة قال تعالى : غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ [ النور : 31 ] . أي غير أولى الحاجة ، والجمع مآرب أي حوائج ومنه قوله تعالى : وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى [ طه : 18 ] . أي حاجات . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 5 ) . ( 2 ) إلف بالكسر الأليف ؛ أي الصاحب يقال : حنّت الإلف إلى الإلف وجمع الأليف الألأف ، وتألفه على الإسلام ومنه المؤلفة قلوبهم . في قوله تعالى : وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ [ التوبة : 60 ] . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 9 ) .